لمّا قصَّ يوسفُ رؤياه على أبيه يعقوب عليهما السلام، نهاه أبوه عن أن يقصَّها على إخوته خشيةَ أن يكيدوا له. قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
فازداد حسدُ إخوةِ يوسف له ومحبَّةِ أبيه إياه، فاجتمعوا وتشاوروا في أمره. قال قائلٌ منهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
فقال آخرُهم، وهو يُرجَّحُ أنه يهوذا: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
فمضوا إلى أبيهم وطلبوا منه أن يُرسلَ يوسف معهم ليلعبَ ويرتعَ، فتردّد يعقوب في البداية وخاف عليه من الذئب، ثم أذن لهم بعد إلحاحهم.
فلمّا أخذوه وذهبوا به إلى البئر، أجمعوا أمرهم على أن يُلقوه فيها. فألقوه ونزعوا قميصه، وعادوا إلى أبيهم عشاءً يبكون، وقالوا: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، وأتوا على قميصه بدمٍ كذب.
فطن يعقوب إلى كذبهم، وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أما يوسف فبقي في البئر وحيدًا، فأوحى الله إليه أنه سيخبر إخوته بصنيعهم هذا في وقتٍ لا يشعرون به.
ثم مرّت قافلةٌ من المسافرين، فأرسلوا واردهم ليستقي الماء من البئر، فلمّا أدلى دلوه تعلّق به يوسف. ففرحوا به وقالوا: ﴿يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ﴾، وأخفوه عن الناس بضاعةً، وباعوه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة.
وهكذا انتقل يوسف من ظلمة البئر إلى ركب القافلة المتوجهة إلى مصر...
لا يعلم إلى أين تسير به، ولا يدري أن تلك الرحلة ستقوده من يد التاجر إلى قصر الملك، ومن ذلّ العبودية إلى عزّ التمكين.
انتهى الجزء الثاني عند هذه النقطة، وقلبُ يعقوب يعتصر ألمًا على فراق ولده، بينما كان يوسف يبدأ أول خطوة في طريقٍ لا يعلم نهايته إلا الله.
إقرأ أيضاً:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق