ذو القرنين شخصية عظيمة ذكرها الله عز وجل في سورة الكهف، ولم يذكر اسمه صريحاً لحكمة يعلمها سبحانه. وقد اتفق المفسرون على أنه كان ملكاً صالحاً عادلاً، آتاه الله من كل شيء سبباً، فملك الأرض من مشرقها إلى مغربها، وسار فيها بالعدل والإحسان.
سمي بذي القرنين لأقوال كثيرة، أشهرها أنه بلغ قرني الشمس في طلوعها وغروبها، وقيل لأنه كان له ضفيرتان كالقرنين، وقيل لشجاعته وقوته كأنه ذو قرنين ينطح بهما أعداءه. ولكن الاسم نفسه لا يهم بقدر ما يهم العمل الذي قام به.
رحل ذو القرنين في الأرض يدعو إلى الله، فكان كلما وجد قوماً صالحين أكرمهم، وكلما وجد قوماً ظالمين عاقبهم. وقد وصل في رحلته إلى مكان بين جبلين، فوجد قوماً لا يكادون يفقهون قولاً، يشكون إليه من يأجوج ومأجوج الذين يفسدون في الأرض ويعتدون على الناس.
طلب القوم من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً يحميهم، فرفض أن يأخذ مالاً على عمله، وقال ما مكني فيه ربي خير. ثم أمرهم أن يعينوه بقوتهم، فجمع الحديد والنحاس المذاب وبنى سداً عظيماً محكماً لا يستطيع يأجوج ومأجوج نقبه ولا تسلقه. وكان هذا السد آية من آيات قدرة الله، وعلامة على أن العدل والقوة إذا اجتمعا مع الإيمان يبنيان ما يعجز عنه الظالمون.
تعلمنا من قصة ذي القرنين أن القوة الحقيقية ليست في التسلط، بل في نصرة المظلوم وبناء ما ينفع الناس. وأن الملك الصالح هو من يستخدم ما آتاه الله من أسباب في إقامة العدل، لا في نشر الفساد. كما تعلمنا أن العمل الجماعي أساس النجاح، فذو القرنين لم يبن السد وحده، بل شارك القوم بجهدهم.
قصة ذي القرنين تذكير لنا في زمن كثر فيه الفساد أن الأمة لا تزال بخير ما دام فيها من يقوم لله بالقسط، ويبني للناس ما يحفظهم من الشر، ويسير في الأرض مصلحاً لا مفسداً.
إقرأ أيضاً:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق