مقدمة
انتشر في الأيام الأخيرة كلام خطير جعل الكثيرين يعيدون التفكير في علم الجفر، فريق يقول إن علم الجفر الموجود في المكتبات والأسواق كله مزيف ودجل وأن هناك جفرا حقيقيا آخر غيره، ورأي آخر يقول إن ذلك لا صحة له وأن الجفر هو علم تناقله الرجال الصالحون جيلا بعد جيل أجزاء منه في الأحاديث الشريفة ولكنه مخفي ولا أحد يعرف طريقته حتى الآن، ورأي ثالث يقول إنه لا وجود له من الأساس، فما هي الحقيقة؟ وما هو الشيء الذي لم تسمعه من قبل عن هذا العلم؟
ما هي قصة علم الجفر المخفي الذي يتحدثون عنه؟
القصة التي يذكرها أصحاب هذا الرأي تقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس مع الإمام علي وحده ويخبره بأسرار عما سيحدث للأمة إلى يوم القيامة، وأن الإمام علي كان يكتب هذا الكلام في صحيفة كبيرة مصنوعة من الجلد تسمى الجفر، لأن الجفر في اللغة هو الجلد الواسع، ثم هذه الصحيفة انتقلت إلى الحسن ثم الحسين ثم إلى بعض أهل البيت والصالحين، ولكن بسبب كثرة الفتن والحروب التي حدثت بعد مقتل الإمام علي وخوفا من أن يقع هذا العلم في يد الظالمين قام الصالحون بإخفائه، فأصبح لا أحد يعرف مكانه اليوم، ولأن الناس رأت أن هناك أحاديث كثيرة تحققت على أرض الواقع ظنت أن هناك كتابا مخفيا وراء ذلك.
هل صحيح أن النبي كان يعطي علما خاصا لسيدنا علي وحده؟
هنا يجب أن نفرق بين نوعين من العلم، النوع الأول هو علم الدين العام من قرآن وسنة وأحكام، وهذا النبي لم يخفه عن أحد أبدا بل بلغه للجميع، قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [سورة المائدة: 3]، فالدين كامل وليس فيه شيء مخفي.
والنوع الثاني هو علم خاص بفهم القرآن والقضاء، وهذا فعلا كان عند سيدنا علي أكثر من غيره، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب عليا ويقربه ويقول أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولكن لم يكن علما سريا فيه غيب المستقبل، بل كان فهما ثاقبا للدين، والدليل من صحيح البخاري أن أبا جحيفة سأل عليا هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة، وكانت صحيفة صغيرة فيها أحكام الديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر، ولو كان عنده كتاب غيب كبير لقال عندنا كتاب الجفر.
هل يمكن أن يكون علم الجفر هو العلم الذي يكتشفه العلماء اليوم؟
يمكن أن يكون هذا الاحتمال به شيء من الصحة، فيمكن أن يكون العلم الحديث به شيء من علم الجفر الحقيقي بمعناه اللغوي وهو العلم الواسع، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأحاديث كثيرة عن المستقبل تحققت، مثل قوله لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، وهذا نراه اليوم في ناطحات السحاب، وقوله حتى تكثر الزلازل، وهذا نراه اليوم، فهذه الأحاديث هي علم حقيقي متناقل بين الصالحين وهو موجود في كتب البخاري ومسلم وليس مخفيا، وكلما تقدم العلم اكتشفنا صدقها، فمثلا قوله تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء [سورة النمل: 88] اكتشف العلماء الآن أن الجبال تتحرك مع حركة الأرض وصفائحها، وهذا أيضا علم كان مخفيا وتم تفسيره واكتشافه عن طريق العلماء.
كيف يكون القرآن هو أساس العلوم وتفسيره واكتشافه معا؟
وهنا تأتي الفكرة التي أشرت إليها وهي في غاية الأهمية، فالقرآن الكريم هو أساس كل العلوم، فعندما يقول الله تعالى والأرض بعد ذلك دحاها [سورة النازعات: 30] فهذه الآية كان تفسيرها موجودا عند الصالحين منذ القدم بأنها بيضاوية، ولكن اكتشافها بالصور والأقمار الصناعية حدث الآن، فتم تفسيره واكتشافه معا، وهذا هو معنى حرف الواو الذي أصررت عليه، فالعلم الحديث لا يخترع شيئا جديدا بل هو يكتشف ما ذكره القرآن منذ 1400 سنة، فكلما زاد العلم زاد فهمنا للقرآن، وكلما فهمنا القرآن أكثر فهمنا أسرار الكون، وهذا هو العلم الحقيقي المتناقل بين الصالحين وليس كتاب طلاسم.
هل سيظهر علم الجفر الحقيقي في عصر المهدي المنتظر؟
يمكن أن يحدث ذلك ولكن ليس عن طريق ظهوره ككتاب سحر وطلاسم، بل كعلم رباني وتقدم علمي وحكمة، فالمهدي المنتظر رجل صالح يصلحه الله في ليلة ويؤتيه الحكمة والعلم، وهذا العلم سيمكنه من فهم ما يحدث للناس، لماذا انتشرت الفتن؟ قال تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [سورة الروم: 41]، فالحكمة من الفتن هي أن يرجع الناس إلى الله، وهذا العلم يمكن أن يظهره المهدي للناس بالقرآن وليس بكتاب جفر سري، وهذا فيه رحمة من الله سبحانه وتعالى لأنه سوف يكون فيه تفسير لكل ما كان يحدث للناس من فتن وسوف ينقذهم مما هم فيه من الضياع والظلم ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.
ما هو حكم تصديق ما يقال على السوشيال ميديا عن علم الجفر المخفي؟
حكمها أنها لا تصدق ولا تكذب بشكل مطلق ولكن لا يعتمد عليها في العقيدة، نحن لا ننكر أن الله قد يعطي لبعض الصالحين فراسة أو فهما خاصا، ولكننا لا نبني عقيدة على ما يقال على السوشيال ميديا مجهول المصدر، والقاعدة الأساسية في الإسلام أن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله، قال تعالى قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون [سورة النمل: 65]، فأي شخص على السوشيال ميديا يقول أنا أعرف مكان الكتاب المخفي أو أنا قرأت الجفر وأعرف أن نهاية إسرائيل 2026 فهو كاذب، لأن النبي نفسه لم يحدد تاريخا، أما من يقول هناك علم مكنون في القرآن سيظهر مع الوقت فهذا كلام صحيح ومقبول ويوافق قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [سورة فصلت: 53].
الخاتمة
وفي النهاية يبقى علم الجفر المخفي بين الحقيقة والخيال، فالحقيقة أن هناك علما واسعا متناقلا بين الصالحين وهو علم فهم القرآن والسنة وما فيهما من إعجاز سيظهر شيئا فشيئا، والخيال هو وجود كتاب كامل مخفي، وهنا لا نستبعد ذلك أيضا فالعلم عند الله، ولكن علينا أن نتمسك بالعلم الظاهر الموجود في كتاب الله وسنة رسوله فهو النجاة الحقيقية في زمن الفتن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق