من أعظم العبادات القلبية التي يغفل عنها كثير من الناس عبادة حسن الظن بالله عز وجل. وهي ليست لفظاً يجري على اللسان فحسب، بل يقين راسخ في القلب بأن الله سبحانه رحيم بعباده، حكيم في تدبيره، لطيف بمن لجأ إليه وتوكل عليه.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: [أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء]. فأنت الذي تختار ظنك بربك، والله يعاملك على حسب ذلك الظن.
ولماذا تزداد أهمية حسن الظن بالله في هذا الزمان؟
لأن الناس اليوم يعيشون بين خوف على الرزق، وقلق من المستقبل، وتعب من توالي الابتلاءات. ولا يزال الشيطان يلقي في القلب: لن تنجح، وستبقى في ضيقتك. وحسن الظن بالله هو السلاح الذي يقطع تلك الخواطر ويبددها.
فكيف كان حسن ظن الأنبياء بربهم؟
سيدنا يعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وفقد ولداً آخر، ومع ذلك قال: [عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً] [يوسف:83]. لم يقل انتهى الأمر، بل أحسن الظن بربه رغم أن كل الأسباب الظاهرة تقول خلاف ذلك.
وسيدنا زكريا عليه السلام بلغ من الكبر عتياً وكانت امرأته عاقراً، لكنه نادى ربه نداء خفياً وقال: [ولم أكن بدعائك رب شقياً] [مريم:4]. أي لم أعتد منك يا رب إلا الإجابة، فأحسن الظن حتى استجاب الله له ووهب له يحيى.
وما علامات حسن الظن بالله في حياة العبد؟
أولها: إذا تأخرت الإجابة للدعاء لم يترك الدعاء، بل ظن أن الله يدخر له ما هو خير.
ثانيها: إذا نزل به البلاء قال لعل الله يطهرني به، ولعل في ذلك خيراً لا أدركه.
ثالثها: إذا ضاق عليه الرزق لم يجزع، بل ظن أن الله سيفتح له باباً أوسع مما يتصور.
وما الفرق بين حسن الظن والتواكل؟
حسن الظن أن يأخذ العبد بالأسباب كلها، ثم يطمئن قلبه ويسلم الأمر لله موقناً أن النتيجة بيده وحده. أما التواكل فهو ترك الأسباب مع انتظار المعجزات، وهذا مذموم.
وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في أشد المواقف. وهو في الغار مع أبي بكر رضي الله عنه والكفار فوق رأسيهما، فقال له صاحبه: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. فماذا أجابه النبي صلى الله عليه وسلم؟ [ما ظنك باثنين الله ثالثهما] [التوبة:40]. هذا هو حسن الظن الذي يقلب الخوف أمناً، والضيق فرجاً، والهزيمة نصراً.
اللهم ارزقنا حسن الظن بك في العسر قبل اليسر، وفي المنع قبل العطاء، واجعلنا ممن إذا ابتليتهم صبروا، وإذا أنعمت عليهم شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
إقرأ أيضاً:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق