الانسياق وراء الآخرين دون وعي ولا دليل صار ظاهرة متفشية اليوم، حتى وصل الأمر إلى محاكاة الشعائر الدينية طلبا للشهرة والمشاهدات. فهل كل ما يفعله الناس صواب؟ وهل نحن مأمورون باتباع الناس أم باتباع الحق؟
متى يتحول الاتباع إلى مذمة
الإنسان بطبعه اجتماعي يتأثر بمن حوله، وهذا ليس عيبا. العيب أن يلغي عقله ويتبع الناس في كل شيء حتى في الباطل. الله تعالى ذم التقليد الأعمى فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170]
فجعلوا العادة والحجة "كل الناس بتعمل كده" بديلا عن الدليل والشرع.
صور التقليد الأعمى في العصر الرقمي
1. تحويل العبادة إلى محتوى. انتشرت مقاطع لتصوير الصلاة أو السخرية منها داخل المساجد بغرض الترند وتحقيق المشاهدات
2. تتبع عورات الناس ونشر الفضائح. الإسلام نهى عن التجس وتتبع العورات فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ»
متى يكون التقليد مباحا؟ توضيح مفهوم الأسوة الحسنة
ليس كل تقليد مذموم. الإسلام أمرنا بالاقتداء بأهل الخير والعلم. هذا اسمه "الأسوة الحسنة" وليس تقليدا أعمى.
الأسوة الحسنة تكون باتباع من عنده علم ودليل، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]
ويكون التقليد مباحا بل مطلوبا في أمور العبادات والمعاملات عندما نقلد العلماء الثقات الذين يبنون فتواهم على الدليل. الفرق الجوهري أن المقلد هنا يسأل ويتحرى، ولا يتبع هوى ولا ترند.
الفرق بين المُقلِّد والمُقلَّد
المُقلَّد: هو من يصنع الترند ويتصدر المشهد، وسيُسأل عن كل من اتبعه في باطل.
المُقلِّد: هو التابع الذي اختار أن يلغي عقله ويجري وراء الشهرة الزائفة، فيتحمل وزره ووزر من قلده.
قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: 25]
كيف ننجو من فتنة التقليد
1. العودة للدليل: لا تتبع قولا إلا بدليل من الكتاب والسنة.
2. ترك ما لا يعنيك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»
3. محاسبة النفس قبل النشر: اسأل نفسك هل هذا الفعل يرضي الله أم يرضي الترند؟
الخاتمة
زمن الترند كشف معادن الناس. فمنهم من جعل الدين وسيلة للشهرة، ومنهم من تمسك بدينه رغم التيار. كن أنت، وكن على بينة، فالنجاة يوم القيامة فردية: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]
اقرأ أيضاً:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق